شبكة سورية الحدث


المخبر الذي خاطبه السياب أمس...ماذا يقول فيه اليوم 

المخبر الذي خاطبه السياب أمس...ماذا يقول فيه اليوم 

سورية الحدث الإخبارية - السويداء- معين حمد العماطوري 


بين الأمس واليوم وتعدد الثقافات وقدرة التعبير والتواصل بين الآراء وامتزاج الأفكار والرؤى الحاملة الكثير من الشجن، علاقة تفاعلية ترابطية، تختلف باختلاف المواقف إذ من كان يعرف قديماً أنه مخبر أو بالعامية "داسوس" كانوا الناس بالإجماع يبتعدون عنه وعن علاقته حتى وصل الأمر أن رجال الدين الأتقياء الأنقياء يصدرون أحكاماً بحقه كالحرم الديني من صباحه ومساءه وشرب قهوته والدخول لمنزله إلخ....من عقوبات اجتماعية قاسية ورادعة عدا العقوبات الوطنية، حتى من أراد أن يعمل لكسب العيش هرباً من الجوع في وسائل تعمل بعض دوائرها بالعمل الاستخباراتي، كان الناس يتهربون منهم ويبتعدون عن الأنظار خوفاً على سمعتهم وحياتهم الكريمة بين أهلهم....وفي زمن الاحتلال العثماني والفرنسي وبقوة السلطة حاولوا تطويع العديد من الأفراد واستغلالهم ضد أبناء قريتهم أو مدينتهم، وسجلت حالات كثيرة بترفع هؤلاء بإباء وكبرياء وتحملوا العقوبات والتعذيب كي لا يكونوا سبباً في تعذيب أبناء قريتهم أو مدينتهم...ومع ذلك كان للمخبر الدور السيء والمسيء للمجتمع ولهذا عمد الشاعر بدر شاكر السياب أن يتكلم بلسان المخبر بقصيدة له يقول بعض من أبياتها:
أنا ما تشاء : أنا الحقيرْ
صبَّاغ أحذية الغزاة، وبائع الدم والضمير
للظالمين. أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ. أنا الدمار، أنا الخراب!
شفة البغيّ أعفّ من قلبي، وأجنحة الذباب
أنقى وأدفأ من يدي. كما تشاء... أنا الحقير!
لكنَّ لي من مقلتيّ – إذا تتبَّعتا خطاك
وتقرّتا قسمات وجهك وارتعاشك – إبرتين
ستنسجان لك الشراكْ
وحواشيَ الكفن الملطَّخ بالدماء، وجمرتينِ
تروّعان رؤاك إن لم تحرقاكْ!
وتحول دونهما ودونك بين كفيّ الجريده
فتندّ آهتك المديده
وتقول "أصبح لا يراني"... بيد أن دمي يراك
إني أحسّك في الهواء وفي عيون القارئين.
إلى أن يقول: 
نهض الحقير
وسأقتفيه فما يفرّ، سأقتفيه إلى السعير.
أنا ما تشاء: أنا اللئيم، أنا الغبيّ، أنا الحقود
لكنَّما أنا ما أريد: أنا القويّ، أنا القدير.
أنا حامل الأغلال في نفسي، أقيِّد من أشاءُ
بمثلهن من الحديد، وأستبيح من الخدود
ومن الجباه أعزُهنَّ. أنا المصير، أنا القضاء.
في الحقيقة قصيدة طويلة...ولدراسة حكم القيمة في هذه القصيدة الجميلة يشعر المرء أنه عمل إبداعي يحتاج إلى دراسة معمقة في الأسلوب والمنهج وعلى المستوى الايقاعي ما يحمل من أنغام موسيقية وإيقاعات وزنية هامة على الصعيد التركيب الشعري، أما التركيبي للشعر وهو أي الشعر فن قولي أداته اللغة، واللغة هي الفاظ وهذه الالفاظ تدخل ضمن تركيب معين يشكل في النهاية النص بكليته كما يشكل الجملة التي يتضمنها النص، أما الدلالي وهنا السياب في قصيدته المخبر يتناول بنية الشخصية أي شخصية المخبر فالقصيدة اذن قصيدة الشخصية، وشخصية المخبر هي شخصية يمكن تسميتها بـالتداولية تلك التي اخذت صفة المخبر السري في السياق المستعمل للغة وأعني بهذا المنحى رجل السلطة السلبي غير مقتصرة على الشخص الذي يقوم بالأخبار كما يوحي لفظ المخبر وهو اسم فاعل لمن يقوم بالأخبار.


 ولكن ثمة سؤال عن وصف المخبر في زمن القيم والأخلاق والأعراف والشيم، في زمن الرجال الذين احترموا الإنسان ووقفوا مع الحق في وجه الباطل، فما عساه اليوم شاعرنا السياب أن يأتي ويرى من هو المخبر وكيف بات وما هي مكانته الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية والخ...
لعل اليوم قد اختلفت معايير الحياة وأخلاقها ومكوناتها من كان سابقاً مخبراً مختبأ بين الصخور البعيدة لا يراه أحد ولا يعترف به أحد اليوم بات المخبر من قادة الرأي بالمجتمع ويتصدر المقاعد والمجالس والمضافات، ويفرض شروطه على الناس ويتدخل في شؤون الحياة اليومية كواحد من أهم المرجعيات الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية، بل بات الشخص الأوحد الذي وصفه السياب بقوله: 
أنا ما تشاء : أنا الحقيرْ
صبَّاغ أحذية الغزاة، وبائع الدم والضمير
للظالمين. أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ. أنا الدمار، أنا الخراب!
لا ليعذرنا شاعرنا السياب بل بات شرفاء المجتمع ونتيجة القهر والإذلال يخضعون لشروط المخبر كي يضمنون كرامتهم وقوتهم وعيشهم...
إذا علينا أن نغير في قصيدة السياب ونعيد ترتيب القصيدة إذا لم يعد لحروفها مكانة في لغة تغيرت مضامينها بانحراف قيمها ومكوناتها...وعليك يا شاعرنا السياب أن تعتذر من المخبر اليوم لأنه بات سيد الموقف ونكتسب منه الرضا والشفاعة ليرحم عباد الله بعد أن بات صاحب القرار في كل شيء...
الأمر الذي يدفع بنا القول حمدا لله يا سياب أنك رحلت باكراً ولم ترا ما نراه ونلمس اليوم من فعل المخبرين المسيطرين على اللغة والحياة معاً...

التاريخ - 2020-12-01 12:06 PM المشاهدات 180

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا