شبكة سورية الحدث

لا أدري بقلم نديم سروجي

لا أدري بقلم نديم سروجي

لا أدري تماماً كيف وقعت الحادثة ، لكنّي أذكر بدقة عينَي أمي و هي تبكي على أبي الذي أُحتُجِزَ تحت حِجارةً و صناديق عاجزاً عن الحراك أذكُرُ أيضاً رجلان بعباءةٍ سوداء إقتربا و سرقا حقيبةَ أبي دونَ مُبالاة بِأي شيء ، و دونَ معرفةَ أنّ أُمي تلفظُ نَفَسَها الأخير! 
و أنّ طِفلاً أَضحى يتيماً يَختبِئُ على بُعدِ أمتارٍ مُنهُما 

تراءت ليَ اللَحَظات ، إِعتصَرت قلبي ثُم أكملت سيرها 

إِقتربتُ مِنَ الصغير و أردفتُ قائِلاً " أَحِبَّ والداكَ أيها الغُصنُ الأخضر قبل أن يسرق حياتهما قطار"
تغيرت ملامِحُه فجأة !

هلِ الموت مُحتمٌ لِعائلتي؟ 
إنّي أحبّهم ، سأواجه بكل ما أملك من قوة حتى لا يختطفهم 
سأشتري بنقودي القليلة وشاحاً يُبعده عنهم .
  
آسفٌ يا صديقي لكن بعدَ سنوات 
في عيد ميلادكَ الثامن عشر 
عندما يُطلِقُ الحظ السيء أولى رصاصاتِه في صدرِك 
عندما تخسر أَشياءً كانت تعني لك الكثير 
عندما تتعرض للتنمُّر أوعندما يوبِخُكَ مُعلِمُك لأنك لَم تُحرِز درجةً كاملة في إمتحانه ، ستُدرِك حقيقةَ ما أقول . 

أكرهُ نفسي كثيراً أكرهُ أنني أفسد كل شيء 
ها أنا ذا مجدداً ، أفسد فرحة طِفلٌ صغير في عيد مولِده 

عُدتُ إلى منزلي .. فتحت باب المنزل لأرى أبي جالساً أمامه ، نظراته تلومُني على إفساد فرحة ذاك الطفل 

ماذا ! توفيّ أبي في تلك الحادثة منذ عشر سنوات  
سَقطتُ مُغشياً عليّ ، كتمت بكائي طيلة العشر سنوات الماضية 
حتى أن قلبي أصبح كمِنفضةِ سجائر قديمة 
لا بأس ببعض البكاء الآن !

في تِلكَ الليلة ، أزاحت دموعي قناعاً أخفيت به وجهي الحقيقي لِسنواتٍ عدّة 
ذاك الوجه المتناقض بملامح ملاكٍ أبيض و شيطانٍ من أتعس جحيمٍ في الكوكب 
أحرقت جثة مشاعري ، ماتت إنسانيتي 
أحسد كل من لديه أب ، أليس من حقي أن أعيش شعور العطف و الحنان أيضاً ؟
بعد صراعٍ طويلٍ مع ذاتي ، قررت التعرف على عالم لا يقل قرفاً عن عالمي
الساعة الأولى كانت جيدة  .. لم أتعرض للمشاكل 
حان وقت خروجي من هذا العالم و العودة لعالمي التعيس 
رغم ذلك القدر من السوء في داخلي إلّا أنني لم أؤذي أحداّ قبل اليوم !
 إذ بي خارجٌ من الخمّارة ، أُصادف رجلاً أحمقاً يقولُ لإبنهِ " أنظر لهؤلاء!
حمقى ! و عائلتهم لا تجيد التربية حتى إنتهى الأمر بهم هنا "
جرت هذه الكلمات كالسُم في جسدي ، أوقدت النار و أيقظت شيطاني 
لم أستطع أن اتمالك أعصابي ! 
كسرتُ قارورة بيرة كنت أحملها في يدي على رأسه ثمّ غرزتها في قلبه 
و أكملت سيري كأن شيئاً لم يحدث ! 

لم أكن يوماً قاسٍ !
بفطرتي ضد الإجرام ، لا أجد أيّ متعة في تعذيب نملة !
كان يخيّل إلي أحياناً أن القتل جائزٌ لأمثالي 
أولئك الذي سرق الموت أغلى ما يملكوا ، فيجاز لهم ما هو محرّم 
للوصول إلى أعلى شعور بالرضا و المساواة .
أغمضت عيناي لبضع دقائق ، كنت أشعر و كأن دموعي تصهر وجهي 
بكيت على نفسي ، خسارتي و أفكاري التي باتت مؤذية لي 

صوتٌ داخلي يقول لي بنبرةٍ حادّة :
" إذا كان قدرك مكتوب دون أيّ إرادةٍ منك ، كيف تجرؤ أن تكتب قدراً مؤلماً لغيرك ؟ 
كيف ترتضي أن تقسو على من كُتٍب قدرهم بشكلٍ أخفّ تعاسةً منك لمجرد إرضاء نفسك ؟ "
إنتهى نقاشي مع ذاتي ، بكيتُ بحرقة ، بقسوةٍ غير معهودة 
عليّ الإمتثال إلى واقعي ، و طرد أيّ فكرة تثيرُ دموع غيري .

هل عليّ أن أبحث عن النور الآن ؟ 
هل سأتخلى عن الظلام الذي إحتضنني طيلة سنيني الماضية ؟ 
فكرت كثيراً 

 هل عليّ أن أبحث عن النور الآن؟
هل سأتخلى عن الظلام الذي إحتضنني طيلة السنوات الماضية !
فكّرت كثيراً ، بكيت و أضنيتُ أصابعي نهشتها و كأنني أتناول وجبة غدائي !  
أصابعي التي كانت بوابتي لمستقبلٍ ذهبي ، أبليتها ! لم تعُد صالحة للعزفِ على البيانو
كما أن البيانو أصبح يبكي من وحدته أيضاً ، بعد أن كان صديقي الوحيد 
رغم أن البيانو يُحب العزلة ، ولا يرغب أن يشاركه صوته أحد 

 أصبحتُ أكثر عُزلة 
حتى العصفور الذي كان ينقُر زجاج نافذتي صباحاً لم يعد يأتي !
ربّما أصبحَ فريسةً لإحدى قطط الحي

التاريخ - 2019-12-07 3:20 PM المشاهدات 299